هشام جعيط

76

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

متحضرة بصورة متزايدة ، مع المحافظة على صلات وجدانية ببلاد العرب ، على الرغم من استمرار نمط العيش السابق في التأثير على السلوكيات والذهنيات . والأهم من ذلك أن الاستقرار كان له من السرعة والنجاح ما جعل الترحل يظهر جليا وكأنه كان ضرورة بالنظر للماضي وواقعا حتميا ، أكثر مما كان وجودا محبوبا ، مع أنه كان محبوبا بصورة من الصور . أما عن الكوفة ، والبصرة أيضا ، فما من شيء أغرب ، بلا شك ، عن واقع الأمور من الفكرة الشائعة التي تقول بهجرة فوضوية وفدت منقضة على بلاد الرافدين « 1 » . إن مقابلة أو معارضة ابن خلدون بين المصر والإنسان البدوي في منحى التنافر بينهما ، قد تكون وجيهة في فترات متأخرة ، في الكوفة بالذات وفي غيرها ، لكنها ليست كذلك قطعا في الفترة التي تكوّن خلالها هذا المصر وازدهر . هذا إشكال خاطىء ينبغي إحباطه . وتوجد إشكالات أخرى أكثر دقة ، منها إشكال الاستقرار مثلا . لقد اعتبره ماسينيون Massignon « 2 » ، وريشارد بوليات Richard Bulliet « 3 » أيضا ، تجربة حاسمة في الكوفة التي كانت لديهما نموذجا جديرا بأن يبدي الرأي فيه المخططون المعماريون المعاصرون ، وعرض كل منهما تفسيرا لهذا النجاح العظيم الذي بلغته عملية الاستقرار . وقد عزاها ماسينيون إلى الدور الدافع الذي لعبه اليمنيون المتحضرون من قديم « 4 » ، وعزاها بوليات إلى فقدان الفاصل بين ظاهرة الترحل وظاهرة الاستقرار في ماضي الشرق قبل ظهور الإسلام ، وتمادي هذا التناضح في الكوفة والبصرة . ينبغي أن تؤخذ وجهات النظر هذه بعين الاعتبار قطعا ، ولكنها تردّ دون وعي على الإشكالية القديمة وتتقمصها ، حتى لو تعلق الأمر بدحضها ( بوليات ) . الواقع أنه يمكن التساؤل عما إذا كان لفظ الاستقرار هو اللفظ الصالح فعلا في هذا الصدد . لعل الأولى القول إنها كانت عملية تمدنية جدّت في ظروف خاصة ، اثر دعوة

--> ( 1 ) توجد أخطاء فادحة جدا في تقدير ظاهرة الفتح العربي ، مثلا عند زافييه دي بلانول : Xavier de Planhol , Les Fondements ge ? ographiques de l'Histoire de l'Islam , Paris , 1968 , pp . 35 - 37 . ( 2 ) تحدث ماسينيون عن ذلك ، في بحثه الأساسي عن الكوفة : « Explication du plan de Kufa » , Melanges Maspero , III , pp . 337 - 360 , reproduit dans Opera Minora , III , pp . 36 - 62 . . فلاحظ من أول وهلة أن رغبته من وراء هذا العمل هو أن يستخدم « للدراسة التاريخية للاسلام في العراق خلال القرون الثلاثة الأولى من الهجرة ، وأيضا للدراسة الاجتماعية لتوطين وتحضير البدو ، وكانت الكوفة أنشط مركز في فجر الاسلام ، لهذه الظاهرة الاجتماعية الرئيسية في تكوين الحضارة الاسلامية لذلك العصر ، وهي ظاهرة رئيسية في عصرنا أيضا ، حيث رجعت على نطاق واسع ، لمستقبل العروبة » . ( 3 ) في بحث غير منشور زاخر بالأفكار ، عنوانه Nomadic Sedentarization in the Seventh Century ومخصص للكوفة والبصرة . ( 4 ) . « Explication du plan de Ku - fa » , op . cit . , p . 41 راجع نقدنا لآراء ماسينيون في هذه النقطة بالذات ، ضمن بحثنا : « Les Yamanites . . . » , art . cit . , p . 175